طريق الحرية و أحلام اليقظة

على طريقٍ زراعي ممتدّ بين القصيم وحائل قضيت أمداً من عمري متردِّدًا جيئًا وذهابًا على هذا الطريق. أمضيت كل سنوات الجامعة أتنقل عبره، فسميته فيما بعد «طريق الحرية». متى ما أسلكته — ذاهبًا أو عائدًا — أطلق العنان لأفكاري وتنتابني أحلام يقظةٍ طوال الرحلة حتى وصولي إلى وجهتي. في كثير من الأحيان لا أعلم كيف وصلت إلى منزلنا في القرية الصغيرة؛ أشعر كما لو غبت عن الوعي أثناء قيادتي على هذا الطريق الممتدُّ مئةٌ وعشرون كيلومترًا حتى تصل إلى أقرب مدينة مؤهَّلة.

بعيدًا عن صخب المدن ووحشة القُرى، يمتد هذا الطريق الزراعي محاطًا بالسواتر الترابية يمينًا ويسارًا، وتطلُّ بساتين النخيل على جانبيه، ويزدحم بالشاحنات التي جابت البلاد طولا وعرضا. بعد فراغي من دعاء السفر تبدأ الأفكار بالسيطرة على مخيّلتي، مطلِقة العنان لخيالٍ خصبٍ مزدحم. تارةً أظنُّ نفسي أحد جنود المسلمين في إحدى المعارك الخالدة: أساوي الصفوف ممتطيًا خيلًا أدهَم، حاملاً سيفًا دمشقيًّا نقش على غمده أول اسمٍ لي. وأحيانًا أتخيل نفسي لاعبًا مشهورًا واقفًا على نقطة الجزاء، يستعد لتنفيذ ركلة حاسمة في الرمق الأخير من مباراةٍ وقف جمهورها حابسًا أنفاسه، شاخصي الأبصار نحوي.

كثيرٌةٌ هي الخيالات التي تأنس بها وحشة هذا الطريق، ولطالما استغنيت عن الأغاني، وأكتفيت بفكرةٍ صاحبتني طوال الرحلة وجعلتني منتشيًا، متقمِّصًا للدور بكل حذافيره. فعندما أعيش دور الجندي المسلم في ساحة المعركة، أظنُّني متأبطٌ لسلاحي، أسير بخيلي بخيلاء وجبروت الجندي المسلم آنذاك، متحديًا جموعَ الكفر، حاملاً روحي كما قال أبو ريشة: «سأحمل روحي على راحتي… وألقي بها في مهاوي الردى».

وفي خصم المعركة تسمع صليل السيوف لكتيبةٍ لاقتْ أخرى، وقد حَمَتْ عليها، والتقى الجمعانُ على إيقاع صوت التكبير والتهليل، وهوى السيوف على الأمتان، ومرت من فوقهم سهامٌ لها حنينٌ انطلقت من زمرة رماه. أخذوا مواقعهم: بالخلف وعلى الميمنة يسمع صوت جلجةِ كتيبة فرسانٍ لها ضَبْحٌ شديد، تَعضُّ على أشكامها كما قال شوقي:

والنفسُ من خيرها في خيرٍ عافيةٍ
والنفسُ من شرِّها في مرتعٍ وخِمٍ
تطغى إذا مكِّنَت من لذّةٍ وهوىً
طغى الجيادُ إذا عضّت على الشُكُمِ

إضافة تعليق