خلق الزمان عداوة الأحرار

عن الحظ أكتب اليوم، وأنا أعرف حظي جيدًا؛ لم يخذلني قط، ففي كل مرة أحتاجه أن يكون مجرد حظ يلوذ بالفرار. في مفهوم الحظ والصدف والأقدار المكتوبة، تختلط على كثير من الناس. الحكيم الذي بداخلي يخبرني بأن الحظ هو وسيلة يستخدمها الناس للتعبير عن نصيبهم من هذه الحياة. فكم مرة احتاج المهاجم قليلًا من الحظ لتلج الكرة الشباك، كما عبّر عنها معلّق المباراة! ولأني أحب كرة القدم وعشت فيها لحظات سعيدة جدًا أنستني مآسي الحياة وجلدها، وكان لها أيضًا نصيبها من الحزن الذي أنساني ما أملكه من أمور الدنيا، تذكرت الركلة الترجيحية الشهيرة التي كان بطلها روبرتو باجيو في نهائي كأس العالم 1994 بين إيطاليا والبرازيل، التي نالت على إثرها البرازيل اللقب وخسره الطليان. احتاج روبرتو باجيو القليل فقط، القليل من “سيد حظ” لكنه غاب تمامًا، وأطاح بالكرة بعيدًا عن المرمى، وقد تسمّر بعدها في مكانه نادبًا حظه أيما ندب، وكأنه فقد جل أبنائه وإخوته وبلده في تلك اللحظة. تذكرت فرصة الجناح الهولندي روبن أمام إسبانيا في كأس العالم 2010 حينما انفرد وجهًا لوجه مع حارس إسبانيا إيكر كاسياس الذي احتضنه “سيد حظ” تلك الليلة وأدار ظهره للهولندي الذي أضاع الفرصة برعونة. روبن الذي اعتبرته الصحف “الرجل الذي حرم هولندا من الحلم”.

وكم من فقير معدم وضع كل أمره في ورقة يانصيب وأقام الموائد بخياله، وتراءت له المواكب تسير بخيلاء في الشوارع، واضعًا علبة بجانبه ومفترشًا أحد شوارع نيويورك المزدحمة الخالية من الرحمة، وقد جمع على إثره طوال يومه بضع دولارات، آثر على نفسه أن ينام جائعًا تلك الليلة على أن ينال بورقة اليانصيب مبلغًا ينسيه أيام الفقر والصبا معًا.

سألتُ صديقًا لي بعد أن عرضت عليه التدوينة: “ما الفرق بين الحظ والصدف والتوفيق والأقدار؟” فأجابني بأن الحظ يفتقده 99% من البشر، كأن يعثر شخص ما على كنز مدفون تحت الأرض بالصدفة مقارنةً بمن لم يحصل على ذلك، أو من ربح بورقة اليانصيب مقارنةً بمن لم يحالفه الحظ. ويضيف بأن التوفيق هو نتيجة السعي المحموم والجهد والمثابرة لتنال مرادك. أما الصدفة فهي نتيجة بدون تخطيط حصلت عليها نتيجة الحظ والتوفيق. ويختتم بأن الأقدار لا علاقة لك فيها، وهي قدرة الله على معرفة ما كان وما سيكون، وقدرك المكتوب هو مخطط حياتك الذي تستطيع أن تغيره بالدعاء.

هل ندبت حظك يومًا ما؟ عن نفسي، إذا خيّم الليل وأسدل ستاره على العالم أجمع، أُقيم جلسة محاكمة لـحظي وسط حضور هيئة المحلفين والقاضي، والمدعي أنا، وبحضور ممثلي المتهم للدفاع عنه. نستعرض سويًا اللحظات التي احتجت فيها السيد حظ ليقيم لي أمرًا ما أو يدفع عني أمرًا آخر. أستعرض الأدلة والقرائن والشواهد، وهي كثيرة، وعلى منصة الشهود تقف ليالٍ حالكة السواد أقف أمامها وقوف الند للند. أستعرض أمامها استعراض آل باتشينو في فيلم عطر امرأة، ووقوف ماثيو ماكونهي أمام هيئة المحلفين في فيلم محامي اللينكولن، لكوني المدعي على سيد حظ والمتضرر منه. أما هيئة المحلفين التي أحاول استمالتها لصالحي للبت في أمر سيد حظ، فهي عبارة عن أيام محفورة بذاكرتي لن تُنسى أبدًا، أيام غاب عنها السيد حظ وخضت غمارها وحيدًا. فكم من ليلة انتظرت أفولها على أحر من الجمر لهول الخطب وعظم المصاب، وأترقب بزوغ الفجر ترقب جندي روسي يحدّق من خندقه تجاه خندق العدو إبان الغزو الألماني لروسيا في الحرب العالمية الثانية. كل هذا لم يكن ليحدث لو أن السيد حظ كان موجودًا تلك الليلة. وكم من لحظات مرت كنت أحتاج فيها سيد حظ بأن يطل فقط أو يومئ برأسه قبولًا أو إيجابًا، لكفاني، لكن هيهات! حظي وأعرفه جيدًا يتلاشى في مثل هذه اللحظات. السيد حظ عوّدني دائمًا يحضر حينما أغيب ويختفي من الوجود عند قدومي، فأنا وإياه خطان متوازيان لا يتقاطعان أبدًا، لكل منا وجهته.

تصالحت أنا والسيد حظ منذ زمن ليس ببعيد، على إثر هذه المصالحة المباركة قررت أن لا أنتظره هذه المرة مثلما أفعل دائمًا. فإن أتى كان الخير، وإن لم يأتِ كان الرضا. وهذا هو ديدن الحياة وطبع الأيام، كما قال أبو الحسن التهامي الذي زيّن عنوان هذه التدوينة أحد أبياته من قصيدته الشهيرة، يقول التهامي:                                                                                                                                                             طُبِعَت عَلى كدرٍ وَأَنتَ تُريدُها

صَفواً مِنَ الأَقذاءِ وَالأَكدارِ       

     وَمُكَلِّف الأَيامِ ضِدَّ طِباعِها

مُتَطَّلِب في الماءِ جَذوة نارِ

وكنت هذه الأيام أقرأ قصيدته وأسمعها وقد حفرت بعض أبياتها في عقلي، ولا تزال أصداؤها تتردد حتى لحظة كتابة هذه التدوينة. الشاهد في الأمر أن تصالحي مع سيد حظ جاء من فهم طبيعة هذه الحياة كما وصفتها أبيات التهامي.

     ليس الزمان وإن حرصت مسالمًا                                      خُلِقَ الزمان عداوة الأحرار

وأختم بكلام صديقي أبو غادة معلقًا على كلامي: “نعم، هذه هي الدنيا… طُبعت على الأكدار. غريبة هي الحياة، نوجد فيها صدفة، دومًا اختيار، ونتقلب بين أحداثها ونتفاعل مع شخوصها، ونظن أننا نحن الذين نسيّر الأمور، ولا ندري أن الأمور هي التي تسيرنا، وما اختياراتنا إلا مجرد اختيارات مسبقة حددها لنا “القدر”. يقول شوبنهاور: “إن الإنسان يستطيع أن يعمل ما يريد، ولكنه لا يستطيع أن يريد ما يريد”.

تعليق واحد

اترك رداً على bandar إلغاء الرد

  • مرحبا سلطان ، ممَ يميز الكتابة أنها تنفّس عن المرء حينما يصل لآخر حرفٍ من حروفه فهو بعد الفراغ منها أفضل حالا مم كان قبلها ، والكتابة تؤنس الروح وتسليها وكذلك تمتع القارىء وتبهجه !
    تحياتي